الجاحظ

9

الحيوان

ونجد الرجال إذا اعتراهم ذلك لا يكونون كذلك إلّا في الوقت الذي هم فيه أشدّ غلمة وأفرط شهوة . فإن قال قائل : إن الإنسان يغشى النّساء في كلّ حال من الفصلين والصّميمين « 1 » ، وإنما هيج السّباع والبهائم في أيام من السنة ثم يسكن هيج التّيس والجمل . فالإنسان المداوم أحسن حالا . قلنا : إنّا لم نكن في ذكر المخايرة بين نصيب الإنسان في ذلك مجموعا ومفرّقا ، وبين نصيب كلّ جنس من هذه الأجناس مجموعا ومفرّقا ، وإنما ذكرنا نفس المخالطة فقط . وما يدريكم أيضا لعلها أن تستوفي في هذه الأيّام اليسيرة أضعاف ما يأتي الإنسان في تلك الأيّام الكثيرة . وعلى أنّا قد نرى ممّا يعتري الحمار والفرس والبغل وضروبا كثيرة إذا عاينوا الإناث في غير أيام الهيج . وهاهنا أصناف تديم ذلك كما يديمه الإنسان ، مثل الحمام والدّيكة وغير ذلك . وقد علمنا أنّ السّنانير وأشباه السنانير لها وقت هيج ، ولكنّ ذلك يكون مرارا في السّنة على أشدّ من هيج الإنسان ، فليس الأمر على ما يظنّون . فإن كان الإنسان موضع ذهنه من قلبه أو دماغه يكون أدقّ وأرقّ وأنفذ ، وأبصر ، فإنّ حواسّ هذه الأشكال أدقّ وأرقّ وأبصر وأنفذ . وإن كان الإنسان يبلغ بالرويّة والتصفّح ، والتحصيل والتمثيل ما لا يبلغه شيء من السّباع والبهائم ، فإنّ لها أمورا تدركها ، وصنعة تحذقها تبلغ منها بالطبائع سهوا وهويّا ما لا يبلغ الإنسان في ما هو بسبيله إلا أن يكره نفسه على التفكير ، وعلى إدامة التنقير والتكشيف والمقاييس فهو يستثقله . ولكلّ شيء ضرب من الفضيلة وشكل من الأمور المحمودة ، لينفي تعالى وعز عن الإنسان العجب ، ويقبّح عنده البطر ، ويعرّفه أقدار القسم . وسنذكر من فطن البهائم وإحساس الوحش وضروب الطير أمورا تعرفون بها كثرة ما أودعها اللّه تعالى من المعارف ، وسخّر لها من الصنعة ، ثم لا نذكر من ذلك في هذا الموضع إلّا كلّ طائر منسوب إلى الموق ، وإلّا كلّ بهيمة معروفة بالغثاثة ، بعدّة ما فيه أشكالها من المعرفة والفطنة . ولو أردنا الأجناس المعروفة بالمعارف

--> ( 1 ) الصميمان : الصيف والشتاء في أشد حالاتهما .